أرض المحنة / د. ابوعبيدة محمد عثمان
راي: سودان سوا
…… أرض المحنة . …..
عندما أشرقت بشائر تحرير الجزيرة، وعادت الحياة تنبض في شوارعها، خرجت البيوت قبل الشوارع، وارتفعت الأكف قبل الاصوات، حمدا وشكرا … وعانقت ود مدني دفءَ أهلها من جديد، لم يكن الفرح حبيس حدودها… بل كان وطنًا كاملًا ينهض من أعماق الألم، . خرجت الولايات، المدن، القرى، بل خرجت القلوب قبل الأجساد، مهللةً، باكيةً من شدة الفرح، وكأن السودان كله قد استعاد نبضه دفعةً واحدة.
ولم يتوقف الصدى عند حدود الوطن، بل عبر القارات، إلى عواصم ومدن يسكنها سودانيون حملوا بلادهم في قلوبهم، فلم تغادرهم يومًا. هناك أيضًا، ارتفعت الأكف بالدعاء، وانهمرت الدموع امتنانًا، واختلطت مشاعر الغربة بفرحة العودة الرمزية لوطنٍ ظل حيًا فيهم رغم البعد. حتى من عرف السودان وأهله، من غير أبنائه، شارك هذا الشعور، لأن الجزيرة لم تكن يومًا مجرد أرض… بل كانت معنى.
فكان الوفاء لأرواح صعدت فكانت تضحياتهم كالعطر الذي يملأ السماء، يمر على كل قلب سودانى في الداخل والخارج ، يذكرهم بأن هذا الوطن كتب بالحب والصبر.
ولاية الجزيرة… تلك التي لم تسكنها قبيلة واحدة، بل سكنها السودان كله. أرضٌ اختلطت فيها الأنساب، وذابت فيها الفوارق، حتى صارت بعض أحيائها تُنادى .. . بمارنجان السودان …. .
في الجزيرة، لم تكن القبيلة جدارًا، بل كانت جسرًا. تآلف الناس، وتزاوجوا، وتقاسموا الخبز والحلم، إيمانًا عميقًا بأن السودان يسع الجميع. أخلاق أهلها، طيبتهم، بساطتهم، وكرمهم، لم تكن صفات عابرة، بل كانت أسلوب حياة… روحًا تسري في تفاصيل يومهم.
أهل الجزيرة ،لا ينحنون لغير العمل. يحملون معاول الإنتاج، ويزرعون الأرض توكلاً على الله، ويعيشون ببساطة العظماء. بيوتهم مفتوحة ، وقلوبهم أوسع، يحبون السودان بصدق، ويمنحون دون انتظار مقابل.
أبناؤها اصاحب علمٌ وثقافة وتواضع. تراهم في مواقع متقدمة داخل السودان وخارجه، لكنهم يظلون كما هم: أبناء تلك الأرض الطيبة، لا ينسون جذورهم، ولا يتعالون على الناس.
واليوم، الجزيرة تنادي أبناءها أن كونوا يدا واحدة … تناديهم لا بالبكاء على ما مضى، بل بالعمل لما هو آتٍ. تحتاجهم في التعليم، ليعيدوا للمدارس نورها. في الزراعة، لتعود الأرض كما كانت سلةً للعطاء. في الصناعة، والصحة، والتجارة… لكنها قبل كل شيء، تحتاجهم من أجل إنسانها.
يا أهلنا في الجزيرة… استووا وسوّوا صفوفكم، فبقوتكم ووحدتكم ينهض الوطن.
ادعوا لشهدائكم، وقدموا أسرهم بالرعاية والاهتمام، فهم أمانة في أعناقكم. ولا تنسوا الأسرى والمفقودين والجرحى، اذكروهم بالدعاء والوقوف معهم.
بالرحمة والتكاتف تُبنى الجزيرة من جديد.
* دكتور ابوعبيدة محمد عثمان محي الدين …
*اختصاصي علم النفس