نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (16 من 26): الثروة الحيوانية المنظمة… من العشوائية إلى الإنتاج المنضبط

بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (16 من 26): الثروة الحيوانية المنظمة… من العشوائية إلى الإنتاج المنضبط

تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.

تمثل الثروة الحيوانية في كثير من القرى واحدًا من أعظم الأصول الموجودة فعلًا، لكنها في الوقت نفسه من أكثر الأبواب التي يضيع فيها العائد إذا تُركت للعشوائية والعادة وحدهما. فوجود الحيوان في القرية لا يعني بالضرورة وجود اقتصادٍ حيواني ناجح، كما أن كثرة العدد لا تعني بالضرورة قوة الربح. فقد تملك القرية أعدادًا معتبرة من الماشية أو الضأن أو الماعز أو الدواجن، ثم يبقى أثرها الاقتصادي أقل بكثير مما تسمح به إمكاناتها، لأن النشاط يُدار على صورة متفرقة، وموسمية، وغير منضبطة.
ومن هنا فإن المطلوب ليس مجرد زيادة عدد الرؤوس، بل الانتقال من الوجود الحيواني إلى الإنتاج الحيواني المنظم. والفرق بينهما كبير. فالوجود الحيواني قد يكون امتلاكًا تقليديًا للحيوان دون حساب دقيق للعائد والكلفة والدورة الإنتاجية ومعدلات الفاقد. أما الإنتاج الحيواني المنظم فيقوم على نظرٍ أوضح: ما الهدف من هذا النشاط؟ هل هو التسمين؟ أم إنتاج اللبن؟ أم التفريخ؟ أم التناسل؟ أم البيع الموسمي؟ لأن الخلط بين الأهداف يربك الإدارة، ويجعل الجهد موزعًا بين اتجاهات لا يجمعها نظام واحد.
وأول ما تحتاج إليه الثروة الحيوانية المنظمة هو تحديد النشاط المحوري. فليس من الحكمة أن تدخل القرية في كل صور التربية دفعة واحدة، ولا أن تجمع بين أهداف متعارضة في القطيع نفسه أو المشروع نفسه دون ضبط. فإذا اتضح أن الأنسب هو التسمين، بُنيت الإدارة على ذلك. وإذا كان الأنسب هو إنتاج اللبن، أو التفريخ، أو تنمية القطيع، وُجهت الموارد والخدمة والتغذية والبيع في هذا الاتجاه. ووضوح الهدف في هذا الباب نصف النجاح.
ثم تأتي بعد ذلك مسألة الإدارة اليومية، وهي الباب الذي يضيع منه كثير من الربح. لأن الحيوان قد يُربّى سنوات على نحوٍ معتاد، دون برنامج تغذية واضح، أو متابعة صحية منضبطة، أو ضبط للتكاثر، أو تسجيل للولادات والنفوق والأوزان والإنتاج. وحين تغيب هذه العناصر، يبقى النشاط متروكًا للخبرة العامة والانطباع، لا للإدارة التي تُحسن اتخاذ القرار. والفرق بينهما هو الفرق بين تربيةٍ تصمد وتربح، وتربيةٍ تتحرك كثيرًا لكن عائدها مضطرب.
ومن أهم خصائص الإنتاج الحيواني المنظم ضبط التغذية. فالتغذية ليست مجرد ملء البطون، بل هي أصل في تحويل العلف إلى وزن، أو إلى لبن، أو إلى نمو سليم، أو إلى قدرة تناسلية مستقرة. وكثير من الخسارة في هذا الباب لا يأتي من نقص الحيوان نفسه، بل من ضعف برنامج التغذية، أو من ارتفاع كلفة العلف دون مردود متناسب، أو من غياب التوازن بين الكمية والنوعية. ولهذا فإن من أذكى ما تفعله القرية أن تربط نشاطها الحيواني بما تقدر على إنتاجه أو تجميعه من أعلاف محلية منضبطة، حتى لا يبقى المشروع رهين السوق وحده في كل مرحلة.
كما أن الصحة الحيوانية الوقائية لا تقل أهمية عن التغذية. فبعض المجتمعات لا تتحرك إلا حين يمرض الحيوان أو ينفق، بينما الإدارة الرشيدة تبدأ قبل ذلك: نظافة، ومراقبة، وعزل للحالات المشتبه بها، وبرنامج تحصين أو متابعة علاجية عند الحاجة، وتقليل أسباب العدوى والضغط والازدحام وسوء الإيواء. فالنفوق أو الضعف أو تراجع الإنتاج لا يكون دائمًا قدرًا لا يُدفع، بل كثير منه نتيجة ضعف الوقاية وسوء التنظيم.
ومن عناصر التحول أيضًا الانتقال من الحساب التقريبي إلى الحساب المنضبط. فما متوسط زيادة الوزن؟ وكم كلفة الرأس في دورة التسمين؟ وكم كمية اللبن الفعلية؟ وكم نسبة النفوق أو الإجهاض أو التراجع؟ وكم يساوي ذلك عند البيع؟ هذه الأرقام ليست ترفًا، بل هي التي تكشف هل النشاط الحيواني يربح حقًّا أم يستهلك المال والجهد من حيث لا يشعر أصحابه. وما لا يُقاس في هذا الباب يصعب تحسينه.
ومن الحكمة كذلك أن لا تُدار الثروة الحيوانية في القرى بعقلية الفرد المنعزل وحده إذا كان التنسيق ممكنًا. فبعض عناصر النجاح هنا تتحسن كثيرًا بالعمل الجماعي: شراء العلف، أو توفير خدمة بيطرية، أو تنظيم التلقيح، أو تسويق الإنتاج، أو إدارة مرافق مشتركة، أو بناء دورة أعلاف مرتبطة بإنتاج القرية الزراعي. وهذا لا يلغي الملكية الفردية، لكنه يضيف إليها قوة التنظيم الجماعي.
ومما يميز هذا الباب أيضًا أن الثروة الحيوانية المنظمة تستطيع أن تدخل في منظومة القرية الاقتصادية الأوسع. فالمخلفات الحيوانية يمكن أن تدعم التسميد، وبعض المنتجات الزراعية يمكن أن تتحول إلى أعلاف، ومنتجات اللبن يمكن أن تدخل في تصنيع منزلي أو صغير، والبيع المنظم يمكن أن يتصل بمواسم أو منافذ أو أسواق محددة. وهذا الربط هو الذي يحوّل الحيوان من أصل قائم بذاته إلى جزءٍ من اقتصاد قروي متكامل.
غير أن من أكبر الأخطاء هنا أن تُقاس قوة النشاط بكثرة الرؤوس فقط. فقد يكون القطيع كبيرًا لكنه ضعيف الإنتاج، مرتفع الكلفة، كثير الفاقد، غير محسوب العائد. وقد يكون القطيع أصغر عددًا لكنه أوضح هدفًا، وأفضل إدارة، وأقل نفوقًا، وأحسن دورانًا للمال. ولذلك فإن النجاح في هذا الباب لا يُقاس بما تراه العين وحدها، بل بما تثبته الأرقام من إنتاج وعائد واستقرار.
كما ينبغي التنبه إلى أن التوسع في الثروة الحيوانية قبل ضبط الأساس قد يكون بابًا إلى الخسارة لا إلى النمو. فزيادة العدد دون ضبط التغذية، أو دون خطة صحية، أو دون وضوح في السوق، أو دون حساب للدورة الإنتاجية، قد تجعل المشكلة أكبر بدل أن تجعل الربح أكبر. ولهذا فإن القاعدة هنا تشبه ما سبق في أبواب أخرى من السلسلة: الإتقان أولًا، ثم الاتساع بعد ذلك على بينة.
والثروة الحيوانية المنظمة لا تعني فقط تحسين الربح، بل تعني أيضًا تقليل الهدر. فالحيوان الضعيف، أو دورة التسمين غير المحسوبة، أو التناسل غير المنضبط، أو النفوق المتكرر، أو البيع في توقيت سيئ، كلها صور لهدر صامت قد لا ينتبه الناس إلى حجمه إلا بعد فوات الأوان. والتنظيم الجيد لا يصنع المعجزات، لكنه يمنع جزءًا كبيرًا من هذا الضياع.
إن القرية التي تُحسن تنظيم ثروتها الحيوانية تكون قد فتحت لنفسها بابًا مهمًا من أبواب الاستقرار الاقتصادي، لأن الحيوان إذا أُدير على بينة أصبح أصلًا منتجًا لا عبئًا متقلبًا. وهنا لا يعود السؤال: كم نملك من الحيوان؟ بل يصبح: كيف ندير ما نملك حتى يتحول إلى دخلٍ منضبط وعائدٍ قابلٍ للنمو؟
فالثروة الحيوانية لا تنهض بكثرة العدد وحدها، بل بحسن الإدارة وحسن التوجيه وحسن الحساب.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى محور مكمّل لهذا الباب، وهو التخزين والتبريد:
التخزين والتبريد… إيقاف النزيف الصامت للأرباح.