نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (15 من 26): إدارة المخاطر في الاقتصاد القروي… كيف نمنع الخسارة قبل وقوعها؟

بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (15 من 26): إدارة المخاطر في الاقتصاد القروي…
كيف نمنع الخسارة قبل وقوعها؟

تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.

ليست النهضة القروية أن نعرف كيف نربح فقط، بل أن نعرف أيضًا كيف نمنع الخسارة قبل أن تقع. فكثير من المجتمعات الريفية لا تتعثر لأنها تفتقر إلى الجهد، ولا لأنها تجهل أبواب الإنتاج، بل لأنها تدخل بعض الأنشطة بلا تقدير كافٍ للمخاطر، فتبدو البداية واعدة، ثم لا تلبث أن تنكسر عند أول صدمة: موسم ضعيف، أو سعر هابط، أو مشترٍ متراجع، أو مدخلات ارتفعت كلفتها فجأة، أو منتج لم يجد من يشتريه بالقدر المتوقع.
ومن هنا فإن إدارة المخاطر في الاقتصاد القروي ليست ترفًا فكريًا، بل هي جزء من صميم البناء الصحيح. لأن القرية التي تدخل الإنتاج بلا وعي بالمخاطر قد تخسر رأس مالها المحدود، وتفقد ثقة أهلها في الفكرة كلها، وتتحول التجربة عندهم من فرصة للنهوض إلى دليلٍ على الإحباط. أما إذا أُديرت المخاطر منذ البداية بوعي، فإن المشروع يظل—حتى مع التعرض لبعض الاهتزاز—أقدر على الصمود والتصحيح.
وأول قاعدة في هذا الباب هي: لا تضع كل قوتك في تجربة واحدة دفعة واحدة. فالمجتمع القروي الذي يبدأ برأس ماله المحدود في مشروع كبير غير مختبر، أو يضع جل موارده في منتج واحد لم يثبت بعد، يكون قد عرّض نفسه لخطر كبير. أما البداية الصحيحة فتكون غالبًا بتجربة محدودة، واضحة، قابلة للقياس، بحيث إذا نجحت أمكن توسيعها، وإذا تعثرت أمكن احتواء أثرها.
والقاعدة الثانية هي: لا تعتمد على منفذ واحد وحده. فبعض المشروعات تتوهم الاستقرار ما دام لها مشترٍ واحد، أو وسيط واحد، أو سوق واحدة، ثم تنكشف هشاشتها حين يتراجع ذلك الطرف أو يفرض شروطًا مجحفة. ولذلك فإن من الحكمة من البداية أن تُفكر القرية في تنويع منافذ البيع بقدر الممكن، أو على الأقل ألا تبني مشروعها كله على علاقة واحدة غير مضمونة.
والقاعدة الثالثة هي: لا تعتمد على مدخل حرج دون بديل. فقد يتوقف المشروع كله لأن مادة خامًا أساسية لم تعد متاحة، أو لأن نوعًا من الأعلاف أو العبوات أو الوقود ارتفع سعره فجأة، أو لأن خدمة بعينها تعطلت. والمشروع الأذكى هو الذي يفكر منذ البداية: ما الأشياء التي لو انقطعت تعطلت التجربة؟ وهل لها بدائل؟ وهل يمكن تخفيف أثر غيابها؟ وهذا السؤال البسيط قد يمنع خسائر كبيرة.
والقاعدة الرابعة هي: ابنِ احتياطيًا ولو صغيرًا. والمقصود ليس صندوقًا ضخمًا، بل هامش أمان بسيطًا للطوارئ، لأن النشاط الذي يعمل على حافة الإنهاك الكامل قد يسقط عند أول عارض. والاحتياطي هنا قد يكون مالًا محدودًا، أو جزءًا من الخام لا يُستهلك كله دفعة واحدة، أو مخزونًا بسيطًا من بعض المدخلات، أو خطة بديلة عند تعطل البيع. المهم أن لا يُدار النشاط وكأنه مضمون في كل لحظة.
والقاعدة الخامسة هي: فرّق بين التنويع المدروس والتشتت. فليس المقصود بإدارة المخاطر أن تدخل القرية في كل شيء خوفًا من الخسارة، فهذا يعيدها إلى التبعثر الذي هربت منه. وإنما المقصود أن يكون لها نشاط محوري واضح، مع قدر من التنويع المساند الذي يمنع الانكسار الكامل إذا أصيب ذلك النشاط بهزة. فالتنويع النافع هو الذي يخدم الأصل أو يخفف من هشاشته، لا الذي يبدد الجهد في مسارات لا رابط بينها.
ومن أهم أبواب إدارة المخاطر أيضًا البدء بالتجربة قبل التوسع. فكم من فكرة بدت رابحة في الذهن، ثم كشفت التجربة المحدودة فيها عيبًا لم يكن ظاهرًا: ضعف الطلب، أو صعوبة التشغيل، أو ارتفاع الفاقد، أو حساسية المنتج للنقل أو التخزين. ولهذا فإن التجربة الصغيرة ليست تباطؤًا، بل صورة من صور الحكمة. لأنها تكشف الخلل بثمن أقل، وتمنع أن يتحول الخطأ الصغير إلى خسارة كبيرة.
كما أن من المخاطر الشائعة في الاقتصاد القروي الخلط بين الربح المؤقت والنجاح المستقر. فقد يربح الناس في موسم واحد بسبب ندرة عارضة أو ظرف استثنائي، ثم يبنون على ذلك قرارات توسع كبيرة، فإذا تبدلت الظروف ظهر أن ذلك الربح لم يكن قاعدة مستقرة. ولهذا فإن القرار الرشيد لا يُبنى على موسم واحد وحده، بل على مراقبة أوضح لعدة دورات أو على الأقل على اختبار أقرب إلى الواقع المستمر.
ومن المخاطر كذلك المبالغة في التفاؤل عند تقدير الإنتاج أو السعر. فبعض المشروعات تبدأ على أرقام متفائلة أكثر من اللازم، ثم تتعثر لأن الواقع جاء أقل مما في الحساب. والأصل هنا أن تُبنى القرارات على تقدير متحفظ لا على أفضل الاحتمالات. فإذا نجح المشروع فوق التوقع كان ذلك مكسبًا، أما إذا بُني أصلًا على حلم مرتفع ثم نزل عنه الواقع، كانت الصدمة أشد.
والنجاح في إدارة المخاطر لا يعني الخوف من كل خطوة، بل يعني الجرأة المحسوبة. فالقرية التي لا تخاطر أبدًا قد لا تتقدم، لكن القرية التي تغامر بلا حساب قد تنكسر. والفرق بين الجرأة والمغامرة أن الأولى تعرف ما الذي قد تخسره، وكيف تحد منه، ومتى تتوقف، وكيف تبدأ صغيرًا، وكيف تراجع نفسها. أما الثانية فتندفع لأن الفكرة بدت جميلة، دون أن تسأل: ماذا لو تعثرت؟ وكيف نخرج بأقل خسارة؟
إن الاقتصاد القروي لا يُبنى فقط على معرفة أبواب الربح، بل على معرفة أبواب الانكشاف أيضًا. فالمشروع الناجح ليس هو الذي يربح حين تكون الظروف مثالية فحسب، بل الذي يستطيع أن يبقى قائمًا حين تسوء بعض الظروف. وهذا هو معنى الصلابة الاقتصادية: ليس غياب المخاطر، بل القدرة على احتمالها دون انهيار.
ومن هنا فإن القرية التي تريد نهضة حقيقية لا يكفيها أن تسأل: ما المشروع النافع؟ بل ينبغي أن تسأل أيضًا: ما المخاطر التي قد تواجهه؟ وكيف نخففها؟ وما حجم البداية المناسب؟ وما البديل إن تعثر المسار الأول؟ وما الحد الذي نتوسع عنده، وما الحد الذي نتوقف عنده؟ فهذه الأسئلة لا تعطل العمل، بل تحرسه.
فالنهضة القروية الرشيدة لا تسير على الأمل وحده، بل على الأمل المسنود بالحساب والاحتياط.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى زذا الباب، وهو الثروة الحيوانية المنظمة:
الثروة الحيوانية المنظمة… من العشوائية إلى الإنتاج المنضبط.