محمد طلب يكتب : *حين يبدأ الزمن مع الشمس(1)* *(تكون الساعة ضوءاً)*
رأي / سودان سوا
في إثيوبيا المدهشة والحضارة القديمة .. لم أفهم الساعة والزمن أول مرة .. سألت أحدهم كم الوقت الأن؟؟؟
فأجابني ببساطة (الواحدة صباحاً) نظرت إلى ساعتي .. كانت تشير إلى السابعة صباحاً .. ارتبكت قليلاً هل يقصد تلك (الواحدة صباحاً) التي يغطي فيها (الظلام) دنيانا ..توقفت قليلاً .. ظننت أنه أخطأ ..تفاجأت أنه لم يكن مخطئاً .. كان يتحدث بثقة .. و يعلم ما يربكني
بل و بشيء من البساطة التي لا تحتمل الجدل .. ابتسم و أشار بيده نحو الشرق حيث كانت الشمس قد اكتملت في صعودها و قال :-
(اليوم بدأ الآن) و حدثني عن توقيتهم المحلي .. في تلك اللحظة فهمت انه لم يكن هناك خطأ في الحساب بل كان هناك (اختلاف في البداية) و معيارها الذي يُقاس به الزمن ….
فأنا أبدأ يومي برقم الآن فقط أحسست انه غير واقعي وغير منطقي ولا يتوافق مع الحياة في حالات الصخب والهدوء .. و هو يبدأ يومه بضوء واقعي و ملموس أمام العين تراه وتتفاعل معه….
في هذا البلد لا تبدأ الساعات من منتصف الليل كما في (التوقيت العالمي) المتفق عليه حيث ينام الناس وتسكن الحياة بل تبدأ حين تبدأ الأشياء فعلاً في الحياة مع الشروق .. حين يخرج الضوء من خلف الأفق وقتها تبدأ (الساعة الأولى) من الصباح لا لأنها مُسجلة في تقويم بل لأنها محسوسة في الوجوه .. في الحركة .. في الأبواب التي تُفتح .. وفي الخطى التي تنطلق .. و هكذا لا تصبح الساعة مجرد رقم .. بل امتداداً لحركة الشمس *ترتفع فيرتفع معها الزمن من الواحدة و تميل فيميل لدورة جديدة في الظلام*
و ما بدا لي في البداية مجرد غرابة .. بدأ يتحول شيئاً فشيئاً إلى سؤال منطقي
*أيهما أقرب للحقيقة؟؟؟*
أن نبدأ يومنا عند رقم ثابت لا علاقة له بالحياة و لا بالشعور و لا بالحركة *أم أن نبدأه حين يبدأ فعلاً ؟؟؟*
في القرآن الكريم جاء التعبير بسيطاً لكنه عميقاً
*﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾*
لم يقل وقتاً ولا قال مرحلة زمنية بل قال (معاشاً)
أي زمناً للحركة.. للخروج .. للسعي و كأن النهار ليس ما تقوله الساعة .. بل ما تفعله الحياة ..
و في سفر المزامير (مزمور 104) جاء الآتي :-
*(تجعل ظلمة فيصير ليل… تشرق الشمس فتجتمع الدواب … يخرج الإنسان إلى عمله وإلى شغله إلى المساء)*
نلاحظ التقارب في الفكرة والمعني بالكتب السماوية الليل سكون و راحة النهار خروج الإنسان للعمل والمعاش ..
هناك بأرض الهضبة حين تبدأ الشمس في الظهور .. لا تحتاج أن تسأل عن الوقت فكل شيء يجيبك.. الضوء .. الناس .. المدينة .. و حتى صوت الخطوات .. كلها تقول لك لقد بدأ اليوم انها (الواحدة صباحاً) الحقيقة وليس العالمية .. و منذ ذلك الصباح لم تعد الساعة عندي كما كانت .. صرت أنظر إليها و أتساءل *كم من أيامنا تبدأ دون أن تبدأ حقاً؟؟؟*
*و كم من أوقاتنا نعيشها بالأرقام لا بالإحساس؟؟؟*
ربما لم تختر إثيوبيا هذا النظام لتخالف غيرها ..
و ربما لم تقصده كفلسفة .. انها حضارة قديمة
و النتيجة كانت واضحة زمن أقرب إلى الفطرة أقرب إلى الواقع والمنطق .. و أقرب إلى ذلك الإيقاع القديم الذي ربط بين الضوء والحياة ..
ولعل السؤال الذي يبقى معلقاً .. *ليس لماذا يختلفون بل لماذا ابتعدنا نحن؟؟؟*
في كثير من بلداننا العربية والإسلامية نقرأ المعاني .. نحفظها نرددها ..لكننا قلما نعيشها .. نقول إن النهار معاش ثم نؤخر بدايته ..
ونربك إيقاعه .. و نمد الليل حتى يبتلع الصباح .. فهل يمكن أن نعيد النظر .. لا في الساعة .. بل في علاقتنا بها؟؟؟
هل يمكن أن نقترب قليلاً من ذلك المعنى .. حيث يبدأ اليوم مع الشروق لا مع رقم في الظلام نسميه الواحدة صباحاً ؟؟؟ وهو بلا صباح او ضوء نهار .. ليس بالضرورة أن نُغيّر العالم .. لكن ربما نستطيع أن نُغيّر كيف نراه بعين الواقع …..
سلام
محمد طلب
5/ابريل 2026