السعودية تبني ممراً تجارياً بديلاً للخليج مع تعطل مضيق “هرمز”
متابعات / سودان سوا
أطلقت السعودية مبادرة “المسارات اللوجستية” لربط موانئ البحر الأحمر بشبكة برية وجمركية نحو دول الخليج، بهدف ضمان استقرار التجارة الإقليمية وسط تصاعد الحرب وإغلاق مضيق هرمز. المبادرة تعكس تحوّلاً استراتيجياً لدعم التجارة عبر البحر الأحمر، ضمن رؤية 2030 التي تستهدف تطوير 59 مركزاً لوجستياً بقيمة 1.6 تريليون ريال حتى 2034.
تتحرك السعودية لبناء مسار بديل للتجارة الإقليمية قد يعيد رسم خريطة تدفقات البضائع في الشرق الأوسط، بينما تتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من اضطراب حاد في الملاحة عبر الخليج العربي وإغلاق لمضيق “هرمز” أمام جزء كبير من حركة الشحن العالمية.
فقد أعلن وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر، اليوم الخميس، إطلاق مبادرة “المسارات اللوجستية” التي تربط موانئ الساحل الغربي للمملكة بشبكة من الممرات البرية والجمركية تمتد نحو دول الخليج والأسواق الإقليمية، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار حركة الإمدادات في ظل المخاطر المتزايدة التي تواجه الملاحة في الخليج.
المبادرة، التي أُطلقت من ميناء جدة الإسلامي بالتكامل مع هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، لا تبدو مجرد مشروع لتحسين الخدمات اللوجستية، بل تعكس تحوّلاً استراتيجياً في كيفية تعامل المنطقة مع أحد أخطر الاختناقات البحرية في العالم.
ونقل بيان من الوزارة عن الجاسر قوله إن “البرنامج يهدف إلى ضمان استقرار خطوط التجارة مع الأسواق الإقليمية والعالمية بكل سلاسة وموثوقية”.
الحرب تعيد إحياء سيناريو كابوس “هرمز”
يمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية نحو خُمس تجارة النفط البحرية في العالم، إضافة إلى جزء كبير من تجارة السلع والبضائع المتجهة إلى اقتصادات الخليج.
لكن مع تصاعد الحرب، وتعرض منشآت طاقة وسفن لهجمات، وارتفاع أقساط التأمين البحري، بدأت شركات الشحن تتجنب الإبحار عبر المضيق، بينما تقلصت حركة الناقلات بشكل كبير.
هجمات إيران تربك موانئ المنطقة وتثير ضبابية لوجستية
هذا التطور وضع اقتصادات الخليج أمام معضلة لوجستية: كيف يمكن استمرار تدفق السلع والبضائع إذا أصبح الطريق البحري الرئيسي غير آمن؟
جسر تجاري عبر الأراضي السعودية
الفكرة الأساسية للمبادرة تقوم على إنشاء ممرات لوجستية متكاملة تسمح بوصول البضائع إلى موانئ البحر الأحمر مثل: ميناء جدة الإسلامي، وميناء الملك عبدالله، وميناء ينبع التجاري. ثم نقلها عبر شبكة الطرق الواسعة إلى الأسواق الخليجية.
بعبارة أخرى، تتحول السعودية إلى جسر بري للتجارة يسمح للبضائع القادمة من آسيا أو أوروبا بالوصول إلى الخليج دون المرور عبر مضيق “هرمز”.
ويمكن للبضائع أن تصل عبر قناة السويس إلى البحر الأحمر، ثم تُفرغ في الموانئ السعودية قبل نقلها بالشاحنات أو الطائرات إلى وجهاتها النهائية.
قدرات الموانئ السعودية تمنحها أفضلية
الميزة الأساسية لهذا السيناريو أن موانئ البحر الأحمر السعودية تمتلك طاقة استيعابية كبيرة غير مستغلة بالكامل.
تتمتع موانئ المملكة على ساحل البحر الأحمر بطاقة استيعابية تتجاوز 18.2 مليون حاوية قياسية سنوياً، بما يعزز قدرتها على دعم حركة التجارة الدولية واستيعاب التحولات في مسارات سلاسل الإمداد العالمية.
فميناء جدة الإسلامي، أحد أهم الموانئ على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، قادر على التعامل مع ملايين الحاويات سنوياً، بينما يوفر ميناء الملك عبدالله قدرة إضافية كبيرة لمعالجة الشحنات.
هذا يعني أن المملكة قد تكون من الدول القليلة في المنطقة القادرة على امتصاص صدمة تحول مفاجئ في مسارات التجارة.
السعودية تمضي قدماً في استراتيجيتها اللوجستية لافتتاح 59 منطقة جديدة
تجاوز “هرمز” من النفط إلى التجارة
لفترة طويلة، ركزت السعودية على بناء بنية تحتية لتجاوز مضيق “هرمز” في صادرات النفط. فخط الأنابيب شرق–غرب ينقل النفط من شرق المملكة على الخليج إلى غربها على البحر الأحمر، ما يسمح بتصديره حتى في حال إغلاق المضيق.
هل تتحول موانئ البحر الأحمر السعودية إلى بوابة بديلة لإمدادات الخليج؟
لكن المبادرة الجديدة توسع الفكرة لتشمل التجارة بأكملها، وليس فقط الطاقة. فبدلاً من أن يكون البحر الأحمر مجرد مخرج بديل للنفط، قد يتحول إلى بوابة رئيسية للتجارة الخليجية.
اختبار حقيقي للطموحات اللوجستية السعودية
يتزامن هذا التحول مع استراتيجية السعودية الأوسع للتحول إلى مركز لوجستي عالمي ضمن رؤية 2030.
أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان “المخطط العام للمراكز اللوجستية” في 2023، والذي يهدف إلى تطوير 59 مركزاً لوجستياً بمساحة تزيد عن 100 مليون متر مربع بحلول عام 2030. يستند مسعى الرياض لتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي إلى موقعها الجغرافي الذي يربط قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، بالإضافة إلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
السعودية تطلق المخطط العام للمراكز اللوجستية للتحول إلى مركز عالمي
تبلغ قيمة الخطة الاستثمارية في قطاع النقل والخدمات اللوجستية خلال الفترة ما بين 2023 و2034 نحو 1.6 تريليون ريال (427 مليار دولار)، عبر شراكات مع القطاع الخاص وعدد من الدول، وفق تصريحات سابقة لوزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر لـ”الشرق”.
واستثمرت المملكة خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات لتطوير الموانئ، وإنشاء مناطق لوجستية، ورقمنة الإجراءات الجمركية، وتحسين شبكة النقل البري.
لكن الحرب الحالية قد تكون أول اختبار حقيقي لهذه البنية التحتية. حيث إن نجاح الممرات اللوجستية في الحفاظ على تدفق التجارة رغم اضطرابات الخليج، سيعني خروج السعودية من الأزمة ليس كقوة طاقة فحسب، بل أيضاً كمركز عبور رئيسي للتجارة في الشرق الأوسط.
إعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية
الأثر المحتمل لهذا التحول يتجاوز مجرد إدارة أزمة مؤقتة. فإذا استمر خطر الملاحة في مضيق “هرمز” لفترة طويلة، قد تبدأ شركات الشحن والتجارة بإعادة تصميم سلاسل الإمداد في المنطقة.
الأزمة في مضيق هرمز تضرب التجارة العالمية وليس النفط فحسب
وفي هذه الحالة، قد يتحول البحر الأحمر إلى المسار الأكثر أماناً للتجارة المتجهة إلى الخليج. وهو ما يعني أن المملكة قد تصبح العقدة اللوجستية الأساسية التي تربط الخليج بالاقتصاد العالمي.
وفي قلب واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في المنطقة منذ عقود، قد تكون السعودية بصدد بناء طريق تجاري جديد يعيد تشكيل حركة التجارة في الشرق الأوسط.