الوجع الخفي : اميمة عثمان

بقلم / اميمة عثمان

لم يكن الوجع حدثا طارئا بل كان نظاما خفيا يدار من الداخل كما تدار الساعة ولا يسمع صوته إلا حين يتأخر نبض المعنى تقزمت التطلعات لا لأن السماء انخفضت بل لأن السقف نما داخل الجماجم فصارت الرؤوس غرفا ضيقة تتكاثر فيها الأسئلة حتى تختنق بأجوبتها
في ذلك المناخ لم يكن الحرف أداة تعبير فقط بل كائنا مكتمل الكينونة يختبر وجوده عبر التشكل استجابة للمؤثرات الخارجية ليس كحرباء متلونة بل مثلنا تماما ونحن نتأثر ونؤثر بمن وما حولنا لذا هو يكتبنا قبل أن نكتبه
كما يقف الكائن على حافة العدم يتدرب في الهواء الطلق على احتمال المعنى يقبل شفاه الفقد بوصفه اعترافا بأن الغياب أكثر أشكال الحضور صفاء
الألوية التي تتمايل لم تكن أعلاما لأوطان بل إشارات لذاكرة جماعية أحاسيس سادت ثم بادت لأن الشعور حين يتحول إلى شعار يفقد دفأه ويتحول إلى أثر وكل شيء كان يتحلل إلى أثر الكلمات الوجوه وحتى الصمت
كنت أكتب لا لأقول شيئا بل لأجرب أن أكون الكتابة كانت مختبرا للذات أضع فيها قلقي تحت مجهر اللغة فأراه يتكاثر خلايا من استعارات أتسكع داخل روحي كما يتسكع فيلسوف في مدينة مهجورة أتحسس الجدران لأتأكد أن لي صدى لم أكن عاريا تماما كانت هناك ورقة توت ليست ستارا أخلاقيا بل وهما صغيرا للهوية يستر هشاشتي أمام نفسي
غياب أحد الشخوص في منتصف النص لم يكن حدثا سرديا بل انكشافا بنيويا فلا أحد يكتمل وكل ذات تنسحب قبل أن تنهي جملتها والنصوص لا تنقص لأن شخصا غادرها بل لأن المعنى بطبيعته مثقوب يسمح للعدم أن يتنفس من خلاله
جرار العسل التي سقطت واندلقت لم تكن سوى المعنى حين يفيض عن حدوده فالحلاوة إذا لم تضبط تحولت إلى لزوجة تعطل الحركة واللص لم يسرق العسل بل حاول امتلاك فائض الدلالة وكل امتلاك كامل للمعنى هو بداية فساده
عندها أدركت أن الحدود والأسلاك لم تكن مؤامرة خارجية بل بنية ذهنية نصنع قيودنا من خوفنا ثم نسميها نظاما ونغرسها في أجسادنا كي لا نواجه اتساع الاحتمال والكتابة لم تكن ترفا جماليا بل فعلا يهدم السياج الداخلي ويعيد توزيع الهواء
وهكذا صار الحرف وطنا مؤقتا لا يحمي لكنه يكشف لا ينقذ لكنه يمنح الوعي حدة تجعل الوجع قابلا للرؤية وكنت أكتب لأن الصمت داخل نفسي كان أثقل من احتماله ولأن الكتابة تدريب دائم على احتمال المعنى دون أن أدعي