ما علاقة إبراهيم جابر بعقد صيانة كبري الحلفايا؟ بقلم: محيي الدين شجر

ما علاقة إبراهيم جابر بعقد صيانة كبري الحلفايا؟
بقلم: محيي الدين شجر
في خضم الجدل الذي صاحب توقيع عقد صيانة كبري الحلفايا، تصدّر اسم عضو مجلس السيادة الفريق أول ركن مهندس إبراهيم جابر واجهة النقاش، حتى خُيّل للبعض أن الرجل هو مهندس العقد وصاحبه. لكن ما كُشف في المؤتمر الصحفي الأخير ببورتسودان يضع الأمور في نصابها: لا علاقة مباشرة له بإجراءات التعاقد، التي تمت عبر اللجنة المختصة وبعد موافقة مجلس الوزراء.
رئيس اللجنة العليا، المهندس أحمد عثمان، كان واضحاً في نفي أي صلة لعضو السيادي بالإجراءات الفنية أو التفاوضية. وفي تقديري أن حضور إبراهيم جابر مراسم التوقيع جاء بصفته رئيس اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى الخرطوم، باعتبار أن صيانة الكبري تمثل خطوة أساسية في تشجيع العودة، خاصة وأنه المعبر الرئيسي للشاحنات والبضائع، بينما يُخصص كبري شمبات للعربات الصغيرة.
في تقديري، الأزمة لم تكن في أصل العقد بقدر ما كانت في طريقة عرض المعلومات. صحيح أن الشفافية تأخرت، لكن “أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي”. المؤتمر الصحفي – رغم أنه جاء بعد تصاعد الجدل – وضع قدراً معتبراً من الحقائق أمام الرأي العام، وكان خطوة مطلوبة لإغلاق باب الشائعات.
من أكثر النقاط التي فجّرت الموقف التصريحات المنسوبة لوزير البنى التحتية بولاية الخرطوم حول أن تكلفة المشروع تبلغ نحو 11 مليون دولار، بما يعادل “42 مليار جنيه سوداني”. هذا الرقم أحدث بلبلة واسعة، لأن الحقيقة – بحسب ما أوضحته اللجنة – أن قيمة العقد مقومة بالجنيه السوداني وتبلغ نحو 35 مليار جنيه، وليس بالدولار. الفرق بين “الجنيه والدولار ” ليس خطأً عابراً في التقدير، بل كفيل بإشعال الرأي العام في ظرف اقتصادي بالغ الحساسية.
هنا تحديداً تتجلى أهمية الدقة في التصريحات الرسمية، لأن أي رقم غير منضبط يتحول إلى مادة خصبة للتشكيك والتأويل.
من النقاط الإيجابية في المؤتمر حضور وكيل وزارة البنى التحتية والنقل الأستاذ مجدي عبد اللطيف، وهو حضور يحمل دلالة واضحة بأن الوزارة تتابع الملف وتلمّ بتفاصيله، وحريصة على توضيح الحقائق للرأي العام دون تزييف أو مواربة. والمعروف عن الأستاذ مجدي عبد اللطيف – بشهادة كثيرين – أنه رجل نظيف وصاحب عطاء، وظل محل تقدير في دوائر العمل التنفيذي.
أما مسار العقد نفسه، فقد مر بمحطات عدة: عرض تركي وُصف بالـ“باهظ”، مسار مصري لم يكتمل رغم المخاطبات، ثم اللجوء للخيار الوطني عبر الإسناد المباشر في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتضرر شركات الطرق والجسور. قد يختلف الناس حول الخيار، لكن الواضح أن المسار كان فنياً وإدارياً أكثر منه سياسياً.
الخلاصة أن ربط إبراهيم جابر بالعقد، وفق المعطيات المعلنة، يبدو قراءة سياسية أكثر منه حقيقة إجرائية. لكن الدرس الأهم يظل في إدارة المعلومات: كلما تأخرت الحقيقة، تقدمت الشائعة. وكلما غاب التوضيح المبكر، اتسعت دائرة الاتهام.
وفي قضايا المال العام والبنية التحتية، الشفافية ليست ترفاً… بل ضرورة وطنية.