«موعد مع الذاكرة… حين صار العاشق مستشاراً

قناديل الذكريات / اميمة عثمان

أيقظه طيفها من غفوته، تاركاً في صوته ارتجافاً من الاضطراب والغضب، وكأن كل لحظة تأجيل كانت تكدس ثقلها على قلبه. يحدد موعداً ويستجدي الإنصات، يذهب للقاء كان يظنه من جنس الأمنيات المستحيلة، مسافة تتسع بينه وبينها كأنها بحر من اللحظات الضائعة.

في الماضي، كان يستعد لهذه اللقاءات بعناية شديدة، يجهز الكلمات والعبارات، يحشوها في حقيبة الانتظار، لكنها غالباً ما كانت تجلس بلا حراك، عاجزة عن الانطلاق. أما هذه المرة، فكان يعلم أنه ليس مجرد عاشق يبحث عن حروفه المفقودة، بل مستشارٌ يسمع ويحلل وينصح، يراقب بعيون هادئة قلبَها المتحرك بين الهمس والصمت. جلس مغطى بثوب الهدوء، ينتظرها، حاضراً في كل لحظة، سواء جاءت أم لم تأت، بشوق لا يعرف الانكسار.

وعندما ظهرت وجلست على رصيف الوعي، لم تكن بعيدة، لكنه شعر بها قريبة جداً، وكأن الزمان أعاد ترتيب ذاته ليصبح كل شيء بين يديه. حاول استدعاء تفاصيل الماضي، تلك اللحظات التي تعفنت في مقبرة النسيان، وأضاءت قناديل الذكريات تدريجياً، واحدة تلو الأخرى، لتطفو وجوه وأحداث تحمل رائحة الزمن السعيد، لقاء الإعجاب المحتشم، الاحترام الحنون، والدهشة التي كانت تصنع في قلبه ألف قصّة لم تُروَ بعد.

خرجت الكلمات من ثغرها متسارعة، متزاحمة كأنفاسها الغاضبة، متأرجحة بين الشكوى والوعيد والندم. الشكوى كانت من خذلان الانتظار وسوء الفهم والهروب أحياناً من مواجهة الحقائق وتحمل الأعباء، والوعيد كان الرد بالمثل، موقفاً حاسماً لا يحتمل التأجيل، أما الندم فكان على صمت الرضا، وغصة الحلق التي تركتها دهشة الأزمان، وما أصابها من وجع لم يكن يُسمع إلا في قلبها وحده.

مع مرور الوقت، هدأت أعصابها، وبرّدت دواخلها، عالمة أن له مساحات مفتوحة في نفسه يمكنها أن تضع فيها كل ما تشاء من إحساس، وتأخذ منها ما تحتاجه من دعم ومساندة، كأنها تكتشف أخيراً مكانها الصحيح في العالم، مكاناً لا يخون ولا يخشى.

انتهت المرافعة التي لا تنتظر حُكماً، وبدأت المداولة، بين شد وجذب، ونصح وتوجيه، بين كلمات تتشابك وأفكار تتقاطع. استمعت له بإعجاب، ودهشة متجددة من قدرته على إدارة المشكلات والخروج منها بنجاح، وزادت قناعتها به، فدائماً كان خارج الإطار، يرى ما لا يراه الآخرون، يعدل صورتها داخله، ويجعل ثقتها فيه تتضاعف مع كل كلمة، مع كل تصرف، مع كل لحظة يقضيها إلى جانبها، مؤمنة أنه وحده القادر على عبورها إلى بر الأمان، إلى فضاء حيث لا خوف، ولا ألم، ولا شك، فقط يقين نقي بالحب والدعم.