طلبت إسعافاً فوجدت نفسي في قسم الشرطة… شهادة مؤلمة من مريض ببورت سودان أغرب للخيال
الإعلامي حسب الله خليفة يكتب :
أصبت فجأة بألم فظيع في جانبي الأيسر تحت الصدر مباشرة ، من شدة الألم كنت أتقلب وأتنقل في المنزل من سرير إلى آخر وكانت المدام تطاردني بالخلطات البلدية وباءت كل المحاولات الودية لإسكات الألم بالفشل ، إقترحت المدام بإسعاف نفسي إلى المستشفى بأسرع ما يمكن وفوراً ، فكانت وجهتي إلى مستشفى الوحدة العام كأقرب مركز صحي إلينا نحن في شقر ، الألم كان أقوى من أن أتحمل كل تلك المسافات نحو وسط المدينة .
هنالك عند وصولي إلى المستشفى توجهت مباشرة إلى الداخل وأنا أتلوى بالألم وأسأل الناس عن مكان الطبيب ، وجدت المكتب فارغ لا يوجد به طبيب فتساءلت عن مكان الطبيب ؟ كلفت إحدى الممرضات نفسها وركضت تنادي “الطبيبة” التي كانت تستريح في “الإسنراحة” وقتها ربما لعدم وجود مرضى فالمستشفى بدا فارغاً ، عندما أتت “الطبيبة” طلبت منها بل توسلتها أن تنجدني بشئ يسكن هذا الألم الفظيع الذي لا يحتمل ، كتبت لي “روشتة” كانت عبارة عن “حقنة” توقعتها تكون “مسكن ألم” ولكنها لم تكن كذلك ، لا أدري نوعها ولكن الممرضة أفادتني قبل أن تطعنني بها أنها “حقنة” خاصة بالمعدة !!
أخذتها على كل حال وعدت إلى “الطبيبة” والألم قد زاد وكاد أن يغمى عليّ ، ترجيتها أن تسعفني بشئ يسكن الألم فما أعطتني إياه للتو لم يكن مسكناً للألم ، قالت لي الطبيبة أن ما أخذته للتو أفضل من أي نوع من المسكنات ، لم أعقب على كلامها البتة وصدقتها كيف لا وهي “الطبيبة” وأنا المريض ، عدت أدراجي وجلست على أحد الأسرة في العنبر أنتظر مفعول وصفة “الطبيبة” وأنا أتلوى بالألم فأقف على طولي أحياناً من شدة الألم وأعود أجلس أحياناً أخرى ، بعد مرور النصف ساعة وأنا أتشبث بالحياة لم أجد بد من الذهاب إلى مستشفى هيئة الموانئ البحرية بأسرع ما يمكن فأنا سوف ألقى حتفي إذا بقيت هنا لدقيقة أخرى في هذا المستشفى !!
خرجت وأنا أركض وصعدت أول “رقشة” من الرقشات التي كانت تصطف أمام المستشفى طالباً منه أن يسرع بي إلى مستشفى هيئة الموانئ البحرية ، فكان رد صاحب “الرقشة” هو أنه لا يذهب إلى مستشفى هيئة الموانئ البحرية ، نزلت وأنا أحبو وصعدت في “الرقشة” التالية فكان رد صاحبها أنه لا يوجد لديه وقود كافٍ ” ثم “الرقشة” الثالثة والرابعة وكلهم كانت إجابتهم الرفض القاطع ، فبقيت أحبو أحياناً وأجلس وأنا أتلوى بالألم قرب “الرقشات” لعل أحدهم يرأف بي ويسعفني ولكن كأن شئ لم يكن ، كانوا يشاهدونني فقط !!
عدت أدراجي إلى داخل مستشفى الوحدة راكضاً نحو مكتب “الطبيبة” وجلست على كرسي المريض وأنا في حالة يرثى طالباً منها إسعافي بإسرع ما يمكن من هذا الألم ، نهضت “الطبيبة” من مكتبها وقالت لي أنها بصدد جلب “ميزان” لأن الذي لديها لا يعمل ، إستفسرتها بكل أدب عن ماهية الميزان ؟ أفادتني بأنه ميزان “للضغط” لقياس ضغطي ، رجوتها بأن تكتب لي أولاً مسكناً للألم لأذهب وأصرفه من الصيدلية ريثما تعود هي بالميزان ، لم تكترث لي وخرجت مسرعة ومرت الدقائق ولم تعد الطبيبة !!
وقف أحدهم بجانبي فجأة داخل مكتب “الطبيبة” يستفسرني عن ماهيتي ؟ فأعطيته موجز سريع عن حالتي الصحية العاجلة ، طلب مني مرافقته فهو من لديه العلاج الشافي لحالتي ، خرجت معه مسرعاً وأطالبه بأن يسرع الخطى أكثر ، خرجنا من المستشفى وتوجهنا إلى “قسم شرطة الوحدة” ما جعلني أستغرب من الوجهة وتوقفت في منتصف الطريق مستفسراً عن وجهتنا ؟ قال لي أن هنالك إجراء لا بد القيام به في الأول ومن ثم النظر في حالتك ، أخبرته أنني لم أدخل من قبل قسم شرطة متهماً أو حتى مشتبه به وعليك أن تعرف هذه المعلومة وتضعها في بالك فأنا لا أدري بأي حجة نذهب نحن إلى قسم شرطة وأنا في هذه الحالة أطلب النجدة كما تراني !!
أدخلوني إلى إستقبال زنازين الحجز داخل القسم وحشروني في مكان ضيق وأجلسوني في الأرض وأنا أتلوى بالألم ، والله ما هانت عليّ نفسي إلا في تلك اللحظات فقلت بقهر وأنا أوجه عباراتي إلى هذا المعتوه الذي قادني من داخل مكتب “الطبيبة” إلى “قسم الشرطة” وأنا في تلك الحالة : أتيت إلى هذا المستشفى وهذا المكان طلباً للنجدة والحياة فيتم الزج بي في الحجز بهذه الصورة وهذه الطريقة ، لو أن أصحاب تلك “الرقشات” أسعفونني ما كنت لأكون في هذا الموقف لأطلب الرحمة وسط أهلي وناسي !!
ربما خشي الرجل من الموقف وذهب مسرعاً لجلب “رقشة” فصعدت بصعوبة إلى “الرقشة” طالباً منه الإسراع نحو مستشفى هيئة الموانئ البحرية .
هذه كانت قصتي في مستشفى الوحدة العام وظل الموقف بالنسبة لي لغزاً حتى علمت في اليوم التالي أن “الطبيبة” كانت وراء كل تلك القصة ، بل كان هنالك تقريباً مفهوم سائد وتصنيف مسبق من شدة إنتشار المخدرات في المكان فحتى أصحاب “الرقشات” كان موقفهم من موقف “الطبيبة” لذلك كان رفضهم إسعافي نابع من تلك الفكرة التي باتت مترسخة في المكان عموماً !!
على كل حال هذه ليست قضية تخصني وحدي بل هي كارثة يجب سبر أغوارها وتداركها بأسرع ما يمكن فكل ما يتم إقامته من الورش والمحاضرات والندوات تحت عنوان “محاربة العادات الضارة أو السالبة” و”مكافحة المخدرات” في تلك المناطق كوم ، والواقع كوم آخر !!