امين حسن عمر : ماذا يعني استدعاء مصر لإتفاقية الدفاع المشترك مع السودان
امين حسن عمر يكتب :
ماذا يعني الإعلان المصري ؟
استدعاء مصر لإتفاقية الدفاع المشترك مع السودان خلال زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، للقاهرة. هو تحرك محسوب ومدروس، و جاء في توقيت معلوم كرسالة استراتيجية متعددة الأبعاد .
فهو يرسم “خطوط حمراء” صريحة (تحذير للأطراف الضالعة)
فقد أعلنت الرئاسة المصرية بوضوح أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، لأن المساس بها يُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري. واستدعاء الاتفاقية هنا هو تحذير شديد اللهجة (خاصة لقوات الدعم السريع ومن خلفها) ورفض أي محاولة لانفصال أي جزء من الأراضي السودانية.
أو المس بمؤسسات الدولة ما يعني التشديد على أن مؤسسة الجيش السوداني خط أحمر، وكذلك توضيح رفض إنشاء أو اعتراف بأي “كيانات موازية” للدولة.
ويأتي الإعلان ردا على التصعيد العسكري الذي قد يقترب من الحدود المصرية أو يهدد الملاحة في البحر الأحمر.
لكن هذا التحذير يفهم من ناحية أخرى دعما للجهود الدولية لمقاربة الهدنة والتسوية، وتحديداً لجهود ترامب المتوقعة للسلام في السودان. فإستدعاء الاتفاقية ههنا يستخدم:
بمثابة أداة ضغط للدفع باتجاه تسوية سياسية، حيث تلوح مصر بأنها لن تكتفي بالدور الدبلوماسي إذا استمر الانهيار. وربما هذا هو الجانب العملي أكثر في النظر إلى الإعلان الحازم
فيراد بالإعلان توفير مظلة ضمان لمؤسسات الدولة السودانية الشرعية لضمان دخولها في أي مفاوضات من موقف وكأنه مسنود من مصر بقوة، لمنع انهيار الدولة.
ولا ينفصل استدعاء الاتفاقية عن مخاوف مصر من:
من جهة الأمن المائي فقد استهدفت طائرات مسيرة في وقت سابق سد الرصيرص وسد ستيت وسد مروي ومنشآت حيوية أخرى ، مما يمس مصالح مصر المائية مباشرة.
كذلك يستحضر القلق من نفوذ قوى إقليمية ودولية قد يغير موازين القوى في البحر الأحمر.
وتجدر الإشارة ههنا إلى أن مصر تمتلك إطارين قانونيين لهذا التحرك:
أولاهما إتفاقية الدفاع المشترك للعام 1976 الدفاع والتي تنص على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يعتبر اعتداءً على الأخرى.
اوإتفاق التعاون العسكري للعام 2021: الذي يركز على التدريب المشترك، تأمين الحدود، ومواجهة التهديدات المشتركة.
والخلاصة هي أن استدعاء الاتفاقية هو مزيج من التحذير وتقديم الضمانات و هو تحذير من تجاوز الخطوط الحمراء التي تمس وحدة السودان، وضمانة لمؤسسات الدولة السودانية بأن القاهرة مستعدة للتدخل قانونياً وعسكرياً لحمايتها، مما يشجعها بالمضي بإتجاه تسوية سياسية تحت رعاية دولية هي ذات تسوية الرباعية . ومصر مضت ربما لآخر الشوط الذي قد تمضي به للدفع بالتسوية وتشجيعها وأكملت التصريحات برسائل تطمين أخرى عبر الإعلام
بيد أن هذا هو مايقلق مصر ولكن ما يقلق السودان أكبر من ذلك بكثير فإن أيما تسوية ترمي إلى هدنة طويلة الأمد فإن نتيجتها المتوقعة هو تكريس الأمر الواقع في التقسيم الجغرافي الذي هو واقع اللحظة الراهنة بينما يتهيأ الجيش لتغييره لصالح وحدة الوطن، و قد لا تكفي التحذيرات والضمانات المصرية لمنع حدوث التقسيم إن توقف الجيش عن المضي بقوة بإتجاه خطة التحرير ، فإن التقسيم الذي حدث في الصومال وفي اليمن وفي ليبيا لم يعترف به أحد بوجه رسمي قط، ولكن دولا كثيرا تتعامل مع نتائجه بصفة أمر واقع منذ عقود طوال وصار شرق ليبيا على وجه الخصوص يتلقى زيارات دولية رسمية وكذلك (صوماليلاند) ذهبت الى عقد اتفاقات دولية بدعم دول أخرى بل أن وفدا أمريكيا يتهيأ للذهاب هناك، ومؤخرا حظيت أعلانات فصل جنوب اليمن بدعم رسمي من بعض الدول فكيف ستكفي التهديدات بالتدخل والضمانات الشكلية لتأمين ألغاء دعاوى تأسيس بكيان مواز للدولة وبإعلانها العزم لمحو الدولة ،من جهة أخرى فإن خيار التفاوض للوصول لتسوية مع المليشيا التي يعلم العالم أنها كيان مجرم إرهابي انتهك كل الحرمات هو خيار يتعذر تسويقه للشعب السوداني الذي سرقت مقدرات الدولة والمؤسسات والأفراد فيه من قبل المليشيا وأهانت المليشيا كرامته وهتكت الحرمات والإعراض.إن الحديث عن تسوية حتى لو تجرأ جريء للجلوس للتفاوض حديث خرافة فأنت لا تستطيع جمع الخطين المتوازيين حسابيا.
ولئن كانت مصر أعلنت خطوطها الحمراء فقد آن للسودان عبر حكومته أن يعلن خطوطه الحمراء وأولها :ألا تهادن مع المليشيا إلا وفاقا لخارطة الطريق التي سلمتها الدولة لمجلس الأمن، وثانيا لا مستقبل عسكري ولا سياسي ولا إقتصادي للمليشيا في السودان، وثالثا لابد من رد الحقوق والمساءلة لمن أجرم في حق الوطن والمواطنين.
إن الضغوط تتكاثف وتشتد على البلاد لقبول تسوية وقسمة ضيزى لا ترد كرامة الشعب ولا حقوقه المنهوبة ولا تحترم دماء شهدائه ولا تضحياته العظام .ولا سبيل في مواجهة الضغوط إلا الصمود والتكاتف والإصطفاف حتى تحقيق النصر بإذن الله