توجيه رئاسي عادل وواقع متعثر: أزمة الأوراق الثبوتية وقوائم الحظر

قرار دولة لا مجاملة سلطة

توجيه رئاسي عادل وواقع متعثر: أزمة الأوراق الثبوتية وقوائم الحظر
بقلم/ محيي الدين شجر

جدد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، توجيهه الواضح بعدم حرمان أي سوداني من استخراج أوراقه الثبوتية، حتى وإن كانت عليه بلاغات جنائية، مؤكدًا أن هذه حقوق مشروعة لا يجوز المساس بها. جاء ذلك خلال افتتاحه، أمس، مركز «الفريق أول شرطة حقوقي خالد حسان محيي الدين» ببورتسودان لاستخراج الأوراق الثبوتية، بحضور وزراء الداخلية والمالية والعدل، وقيادات تنفيذية وأمنية.

هذا التوجيه ليس جديدًا، بل هو موقف ثابت عبّر عنه البرهان في أكثر من مناسبة، ويستند إلى مبدأ قانوني وإنساني بسيط: الحقوق المدنية لا تُصادر بسبب بلاغ جنائي. فالبلاغ طريقه القضاء، أما حرمان المواطن من إثبات هويته فليس عقوبة منصوصًا عليها، ولا يحل مشكلة، ولا يخدم عدالة.

من هنا، تبدو موجة الانتقادات التي طالت القرار غير مفهومة. وكأن منع السوداني من استخراج أوراقه الثبوتية سيُصلح حال البلاد أو سيُسرّع الفصل في القضايا! الحقيقة أن العكس هو الصحيح؛ فحرمان المواطن من أوراقه يعطّل حياته، ويقفل أبواب العمل والعلاج والتعليم والسفر، ويضاعف الأزمات بدل أن يحلّها.

قرار البرهان، في جوهره، قرار دولة تجاه رعاياها. ورئيس الدولة مسؤول عن كل مواطنيه، لا ينتقيهم على أساس موقف سياسي أو وضع قانوني مؤقت. ولا يوجد منطق يجعل رئيس دولة يعادي مواطنيه أو يعاقبهم إداريًا قبل حكم القضاء. فحتى من تُقيّد ضدهم بلاغات جنائية يتمتعون بقرينة البراءة إلى أن يقول القضاء كلمته.

إن الخلط بين مسار العدالة الجنائية ومسار الحقوق المدنية خلط مضر. للبلاغ الجنائي إجراءاته وقضاته، ولحقوق الناس مسارات أخرى يجب أن تبقى مفتوحة ومحميّة. الهوية ليست امتيازًا تمنحه السلطة وتمنعه متى شاءت، بل حق أصيل لا يستقيم كيان الدولة بدونه.

في زمن الأزمات، تُقاس الحكمة بقدرة القرار على حماية الإنسان دون الإخلال بالقانون. وما صدر عن البرهان في هذا الشأن يندرج في هذا الإطار: تثبيت للحق، واحترام للقانون، ورسالة بأن الدولة لا تُدار بالعقاب الجماعي، بل بالعدالة المؤسسية.

إنصاف المواطن لا يُضعف الدولة، بل يقوّيها. وهذا ما يجب أن يُقرأ في هذا القرار.

غير أن أهمية هذا التوجيه الرئاسي تظل مرهونة بتنزيله إلى أرض الواقع، إذ لا تزال شكاوى بعض المواطنين قائمة من حرمانهم من استخراج أوراقهم الثبوتية، رغم صدور قرار البرهان في هذا الشأن سابقًا. وهو ما يضع مسؤولية مباشرة على عاتق الجهات المختصة بضرورة الالتزام الصارم بتوجيه رئيس الدولة، وعدم الاجتهاد أو التعطيل تحت أي مبررات إدارية.

كما تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة مسألة قوائم الحظر، في ظل التشابه الكبير في أسماء السودانيين. فبحسب متابعة دقيقة لعدد من الحالات، تبيّن أن إدراج كثير من الأسماء في قوائم الحظر تمّ بسبب تطابق الاسم فقط، دون التحقق من عناصر أساسية مثل اسم الأم، أو المهنة، أو محل الإقامة، أو أي بيانات تعريفية أخرى تميّز بين الأشخاص.

والأخطر من ذلك أن المواطن المتضرر يجد نفسه مضطرًا إلى دفع رسوم لفك حظر فُرض عليه عن طريق الخطأ، في رحلة إجرائية شاقة تمر عبر عدة جهات، قبل أن يُرفع الحظر ويُستعاد الحق. صحيح أن بعض الأسماء المحظورة قد تكون بالفعل لأشخاص مطلوبين، أو فارّين من السجون، أو متعاونين مع المليشيا، أو أصحاب سوابق قضائية، لكن في المقابل هناك كثيرون بعيدون كل البعد عن الشبهات، ومع ذلك يتحملون تبعات تطابق الأسماء دون ذنب.

إن العدالة الإجرائية لا تكتمل بصدور القرار فحسب، بل بتطبيقه العادل والدقيق، وبمراجعة آليات الحظر بما يضمن حماية الأبرياء دون إفلات المذنبين. فالدولة القوية هي التي تُحسن التفريق بين الناس، ولا تساوي بينهم بالخطأ، ولا تجعل المواطن يدفع ثمن خلل إداري لا يد له فيه.