عندما تصرخ الفوضى: لماذا يخاف المنتفعون من نظام تطبقه 141 دولة؟

عندما تصرخ الفوضى: لماذا يخاف المنتفعون من نظام تطبقه 141 دولة؟

بقلم: محيي الدين شجر

بعد أيام معدودة فقط، وتحديداً في الأول من يناير 2026، تدخل الحكومة السودانية اختباراً حقيقياً بتطبيق نظام الإقرار المسبق للشحنات (ACD). اختبار ليس تقنياً كما يحاول البعض تصويره، بل اختبار إرادة:
إما دولة تعرف ماذا يدخل حدودها، أو فوضى تدار من خلف الستار.

ومع اقتراب ساعة الصفر، خرجت أصوات معارضة عالية النبرة، متوترة الإيقاع، مكشوفة الأهداف. معارضة لا علاقة لها بحرية الرأي ولا بالمخاوف المشروعة، بل ترتبط مباشرة بـمصالح شخصية امتيازات و اعتادت أن تعيش على الغموض والتأخير والفراغ الرقابي.

لنضع النقاط فوق الحروف:
من يعارض نظام الإقرار المسبق اليوم، لا يعارض إجراءً فنياً، بل يعارض الشفافية نفسها، ويقاوم دولة القانون، ويدافع عن الفوضى بوصفها أسلوب عمل.

نظام الإقرار المسبق للشحنات ليس بدعة سودانية، ولا مغامرة غير محسوبة، بل نظام مطبق في 141 دولة حول العالم، بينها 26 دولة أفريقية. دول بعضها أقل موارد، وأضعف بنية، لكنها امتلكت شجاعة القرار، وكسرت حلقة التهريب، وضبطت تجارتها، وقدمت مصلحة الدولة على مصلحة الوسطاء.

فهل السودان أقل من هذه الدول؟
أم أن المشكلة ليست في النظام… بل في من يكره أن يرى الدولة وهي ترى؟

هذا النظام يُلزم الناقلين ووكلاء الشحن بتقديم بيانات تفصيلية عن الشحنات قبل وصولها عبر منصة إلكترونية موحدة، تمنح الجمارك قدرة حقيقية على تحليل المخاطر، واتخاذ قرارات استباقية، والتفريق بين التاجر الملتزم والمتلاعب.

وهنا يبرز السؤال الذي يهرب منه المعارضون:
من المستفيد من وصول الشحنات إلى الموانئ بلا بيانات؟ ومن يتضرر عندما تُغلق الأبواب الخلفية؟

المعارضون يختبئون خلف خطاب تخويف مكشوف:
– “النظام غير جاهز”
– “سيعقد الإجراءات”
– “سيضر بالتجارة”

لكن هذا الخطاب يسقط عند أول احتكاك بالواقع الدولي.
النظام متوافق مع منظمة الجمارك العالمية (WCO)، واتفاقية كيوتو المعدلة، وإطار SAFE، واتفاقية تيسير التجارة لمنظمة التجارة العالمية (WTO)، ومعايير المنظمة البحرية الدولية (IMO) ومنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO).
أي أنه المعيار العالمي، ومن يرفضه يعلن صراحة رفضه للعالم الحديث.

الـ ACD لا يطلب معجزات، بل مستندات معروفة:
بوليصة شحن، فاتورة تجارية، فاتورة شحن، شهادة منشأ.
لكن الفرق القاتل للبعض أن هذه المستندات ستُقدَّم مسبقاً، إلكترونياً، وبلا مجال للتعديل أو التلاعب أو “الترتيب” بعد الوصول.

وهنا بيت القصيد.

النظام يحقق ما يخشاه المنتفعون:

تقليل زمن التخليص بنسبة قد تصل إلى 60%

رفع دقة التفتيش

خنق التهريب

تقليل التكدس

زيادة الإيرادات

محاربة الغش التجاري

تعزيز الأمن القومي وحماية المجتمع

كما يفتح الطريق أمام النافذة الواحدة، وإدارة المخاطر الوطنية، والتتبع، والدفع الإلكتروني، أي تقليص التدخل البشري، وتجفيف منابع الفساد، وإنهاء عصر “التفاهمات”.

الدول التي طبقت النظام – من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى الصين ودول الخليج، وصولاً إلى عشرات الدول الأفريقية – لم تفلس، ولم تتوقف موانئها، ولم تهرب تجارتها.
بل حدث العكس تماماً: انضباط، سرعة، شفافية، وأمن.

فلماذا يُراد للسودان أن يظل أسيراً لمرحلة تجاوزها العالم؟

الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها أن الخوف ليس من النظام، بل من انكشاف ما كان مخفياً، وتعرية ما كان محمياً بالصمت والتأخير.
الخوف من دولة تعرف قبل أن تصل البضاعة، وتقرر قبل أن تُفرض عليها الفوضى، وتحاسب بلا انتقائية.

في الأول من يناير 2026، لن يبدأ تطبيق نظام جديد فقط، بل ستبدأ مواجهة مفتوحة:
بين من يريد سوداناً حديثاً منضبطاً،
ومن يريد استمرار الفوضى باسم “المصالح”.

وأقولها بلا تجميل ولا دبلوماسية:
نظام الإقرار المسبق للشحنات لا يهدد الاقتصاد… بل يهدد الامتيازات غير المشروعة.