محيي الدين شجر يكتب: نظام الإقرار المسبق للشحنات (ACD)… بين هواجس الماضي ومتطلبات الحاضر

محيي الدين شجر يكتب:
نظام الإقرار المسبق للشحنات (ACD)… بين هواجس الماضي ومتطلبات الحاضر

يأتي اتجاه الدولة لتطبيق نظام الإقرار المسبق للشحنات (ACD) في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد الوطني، لحظة تتطلب الحسم مع الأساليب التقليدية التي أرهقت الخزانة العامة وأضعفت القدرة على ضبط حركة التجارة الخارجية. غير أنّ هذا التوجه، كغيره من الإصلاحات الجوهرية، لم يخلُ من أصوات متحفظة، في مقدمتها ما ورد في خطاب الغرفة القومية للمستوردين الموجَّه إلى السيد رئيس مجلس الوزراء – الدكتور كامل الطيب إدريس.

استهلت الغرفة خطابها بالإشارة إلى أنها الجهة المعنية بالقرار، وأنه «لم يتم التشاور أو التفاكر معها في أي مرحلة من مراحل اتخاذ القرار أو حتى إخطارها به بصورة رسمية». وهي ملاحظة إجرائية يمكن تفهمها من حيث المبدأ، إذ إن التشاور مع أصحاب المصلحة يمثل قيمة مضافة لأي قرار اقتصادي كبير. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في هذه النقطة بقدر ما يكمن في ما تلاها من اعتراض مبطن على جوهر النظام نفسه.

فقد ذكّرت الغرفة بأن نظام الإقرار المسبق “طُبّق في عام 2016 وتم التراجع عنه لاقتناع المسؤولين وقتها بأن فوائده لا تُذكر مقابل تعقيداته”. وهذه الرؤية، في تقديرنا، لا تعكس واقع التحولات العميقة التي شهدها العالم، وتتغافل عن حقيقة جوهرية مفادها أن بين عامي 2016 و2026 عشر سنوات كاملة من التطور التقني والتشريعي والتجاري، وهي سنوات لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها بعقلية الماضي.

إن النظام الذي يُعاد إطلاقه اليوم ليس هو نظام 2016؛ لا من حيث البنية التقنية، ولا من حيث التكامل الرقمي، ولا من حيث ارتباطه بالمنظومات العالمية لإدارة المخاطر والتجارة الدولية. فعندما طُبّق النظام قبل عقد من الزمان، كانت كثير من الدول نفسها في طور التجريب، وكانت البنية الرقمية ضعيفة، والربط المعلوماتي محدوداً. أما اليوم، فقد أصبح نظام (ACD) معياراً دولياً معمولاً به في أكثر من 140 دولة، بينها دول أفريقية ذات أوضاع اقتصادية أكثر تعقيداً من وضع السودان.

والسؤال الجوهري الذي كان ينبغي على الغرفة القومية للمستوردين طرحه ليس: لماذا طُبّق النظام سابقاً ثم أُلغي؟
بل: لماذا طبّقته عشرات الدول بعدنا ونجحت فيه، بينما ما زلنا نتوجس منه؟
فالاقتصاد الحديث لا يُدار بالحسّ، ولا بالخوف من التعقيد، بل بإدارة المخاطر، والبيانات الدقيقة، والشفافية.

ثم إن الغرفة، وهي تمثل شريحة المستوردين، كان من الأولى أن تنظر إلى الفوائد العملية للنظام على نشاط أعضائها، قبل التركيز على هواجس التعقيد. فالنظام يسرّع إجراءات التخليص، ويقلل التكدس بالموانئ، ويحمي المستورد الملتزم من المنافسة غير العادلة، ويقضي على التلاعب بالفواتير الذي ألحق أضراراً جسيمة بالسوق وبالمستوردين أنفسهم.

أما الإيحاء بأن النظام “لا يحقق فوائد تُذكر”، فهو طرح تجاوزه الواقع العملي والتجربة الدولية، إذ أثبت نظام (ACD) قدرته على زيادة الإيرادات، وضبط التهريب، وتحسين بيئة الأعمال، وجعل الموانئ أكثر كفاءة وجاذبية، وهي مكاسب لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها.

ولا شك أن ملاحظة الغرفة بشأن غياب التشاور تستحق التوقف عندها، لكن حق التشاور لا ينبغي أن يتحول إلى منصة لعرقلة الإصلاح أو لإعادة إنتاج إخفاقات الماضي. فالدولة اليوم تواجه تحديات اقتصادية وأمنية معقدة، وتحتاج إلى أدوات حديثة تواكب العصر، لا إلى إعادة تدوير مخاوف عمرها عشر سنوات.

ختاماً، فإن نظام الإقرار المسبق للشحنات ليس خصماً على المستوردين، بل هو فرصة حقيقية لإرساء سوق منضبط وعادل. وإذا كانت الغرفة القومية للمستوردين حريصة بالفعل على مصالح أعضائها، فإن دورها الطبيعي يكمن في التكيّف مع التحول والمشاركة في تطويره، لا الوقوف عند تجارب تجاوزها الزمن. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والاقتصاد لا يُدار بعقلية 2016 في عالم 2026.